نحن لم نختم نحن ابتدأت حياتنا من جديد ..
عدت إلى المنزل ذلك اليوم ..
لم أكن أشعر بشيء سوى ضربات قلبي المتسارعة ..
فتساؤلات الأمس أصبحت اجابتها اقرب وأقرب !!
ففي الغد يوم ميلاد جديد ..
في الغد ولادة فرحة جديدة ..في الغد ستتحقق أمنيتي ..في الغد ..
فرحة أمي وأبي ..
إلى أن جاء المساء ..أويت إلى فراشي لأنام ..
لا بل لأحلم بالصبح القريب وعيناي المغمضتان تلمعان ببريق الدموع!!
وجاء صباح الأحد 17 /5 /1428هـ ذلك اليوم الذي هز الوجدان ..
ذهبت الى الدار قابلت أخواتي سلمنا على بعضنا بشوق كبير وبلهفة أعظم على الرغم من أنه لم يمضي على تفرقنا سوى اقل من أربع وعشرين ساعة ..وحدنا لباسنا في ذلك اليوم تعبيرا منا على توحد مشاعرنا وفرحتنا وغاياتنا..
استعدادا ً لاستقبال ضيفنا العزيز ..
كيف لا وهو اليوم الذي انتظرناه منذ أن وعت مداركنا فضل حامل القرآن ..
بل كيف لا والقرآن أصبح بين جنبينا معنا أينما حللنا وأينما ذهبنا ..
كان شعارنا فيه
((نحن لم نختم نحن ابتدأت حياتنا من جديد))..
نعم اليوم ليس يوم النهاية بل هو يوم البداية ..
دخلنا فصلنا وتحلقنا فيه ..
ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى دخلت المعلمة الفصل ..
نظرت إلينا نظرة تملؤها الدموع .. حينها عدت بذاكرتي الى أول يوم والى تلك النظرة المتفحصة !!!
ألقت علينا تحية الإسلام ..فبادرناها بالإجابة ..
وخيم الهدوء المكان فاليوم لا مجال للكلمات ولا مجال للتعبير عن خلجات النفس .. لأنه وباختصار يوم ختم!!
وبدأنا بالتسميع استرسالاً سورة تتبعها سورة ..
حتى وصلنا إلى قصار السور والتي كانت في نظرنا من أطول سور القرآن ..واسترسلت دموعنا .. واجهش الجميع بالبكاء!!
فالدموع التي كانت قبل يومين في الخفاء أصبحت الآن في العلن وكأنها أبت إلا أن تحضر في هذا الموقف الذي لن يتكرر بعد اليوم !!
موقف لا يعرف مشاعره إلا من عايشه ..ارتفعت الأصوات بالبكاء ..حتى استعصى على البعض إكمال التسميع ..
كلما اقتربنا من النهاية ازداد بكاؤنا الذي كان له حلاوة لا تساويها حلاوة ..
فقد كنا في قمة فرحتنا ونحن في غمرة دموعنا ..
استمر حالنا لأكثر من ساعة ونصف الساعة ..حتى وصلنا إلى سورة الإخلاص ..
توقفنا وظننا أن الزمن قد توقف وأن العالم بأسره قد توقف وبالفعل قُرأت سورة الإخلاص وجاء دور الفلق و انتهينا أخيرا ً من سورة الناس
..أحقا ً وصلنا إلى النهاية ؟!
أحقا ً ختمنا كتاب ربنا؟!
يا الله ماأحلى العيش مع كتابك ..
وما ألذ الأصوات وهي تردد آياتك ..تسعة أشهر مضت دون أن نشعر !!
تسعة أشهر انقضت من أعمارنا عشناها بين كلام ربنا ..
تسعة أشهر فقط .. أصبحنا بعدها بفضل الله حافظات لكتابه
..عفوك يارب ..عفوك يا الله ..كم قصرنا في حق انفسنا ..
وكم تجاهلنا أن القرآن يسير على من يسره الله عليه ..
شغلتنا الحياة واعمانا شيطاننا بالتسويف والأماني ..انهار الجميع بالبكاء ..
تعالت الأصوات .. واقشعرت الأبدان .. في تلك اللحظة شيء واحد كان يسمع إنه ( صوت البكاء !!)
مكثنا على هذه الحالة ما يقرب .... لا أعلم !!
هل هي خمس دقائق أو برهة من الزمن أو .. أو ..؟؟
لا أعلم فقد أخبرتكم بأن الزمن توقف بالنسبة لنا في هذه اللحظة ..
إلى أن شرعت معلمتنا بالدعاء .. تحمده على هذه النعمة .. تشكره على هذه المنزلة ..فالحمد لله على منه وكرمه وعطاءه ..
الحمد لله الذي بلغنا لحظة ختم كتابه ..سألناه أن يجعله حجة لنا لا علينا وأن يجعله شافعا ً لنا ..و أن يجعله قائدا لنا الى جناته جنات النعيم حيث يقال ( اقرأ وأرقى ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها )...
انتهى الدعاء و خررنا لله سجدا ً ..
أفلا تستحق تلك اللحظة أن نخر لله سجدا وأن نبكي فيها فرحا ً ؟!!
قمنا من سجودنا .. عانقنا بعضنا مهنئين باكين مباركين ..
فما أحلى تلك الدموع وما أجملها تلك التهاني وما أعذبها تلك الأصوات التي تخالط فيها النحيب مع الابتسام ..
وما أصفاها تلك الأجواء التي نسينا فيها كل لحظات العناء والنصب وكل كلمات التثبيط .. نسينا فيها حتى المكان والزمان !!
لم نذكر فيها إلا لحظة الإنجاز لحظة الختم لحظة تحقيق الحلم ..
لكن في غمرة كل هذه الأحداث ..
كنت أشعر دائما بأن هناك حملا ً كبيرا ً قد حملناه بين أكتافنا يشعرنا بثقل الأمانة التي أصبحت على كاهلنا ..أمانة لا بد من حفظها وصونها حتى تكون حجة لنا لا علينا ..
كان للفرحة طعم جميل وللبسمة أريحية العبق الصافي وللدموع حلاوة لا تضاهيها أي حلاوة ..
وبينما نحن كذلك في قمة فرحتنا إذ دخلت علينا مديرتنا لتبارك لنا وتهنينا على هذا الإنجاز الرائع ..
قالت لنا :: بهذه المناسبة الرائعة ستقدم هدية لكن ..
حينها اشرأبت الأعناق وتساءلنا ترى ما هذه الهدية؟ ..وكانت الهدية رحلة إلى مكة المكرمة لأداء العمرة ..
صارت الفرحة بالنسبة لنا فرحتين ..فرحة الختم وتحقيق الحلم ..وفرحة أداء العمرة مع صانعات المجد..
تحلقنا سويا ً وأخذنا بالحداء ::
اقرأ كتاب الله ترقى جنانه *** وتنال عظيم الأجر والغفران ..
رتله روي القلب من آياته *** كالماء يروي لهفة العـطشان ..
وما أن انتهينا من الحداء حتى أمسكت كل واحدة منا بهاتفها ( الجوال ) لتبشر أهلها بهذه النعمة التي أنعمها عليها ربها ..
وأنا بدوري فعلت فعلهن واتصلت بأبي الذي امتزج صوته بالبكاء ..
قلت له : لقد ختمت ولله الحمدفقال لي بصوت يدوي :
( الله أكبر)
إلى هذه اللحظة لم تمح من ذاكرتي تكبيرة ابي عبر الهاتف ..
تكبيرة أكدت لي أن ما حملته الآن أمانة عظيمة لا يستهان بها ..
واتصلت بعدها بأمي التي انهارت هي الأخرى من البكاء ..
وقالت : ربي يا حبيبي لك الحمد أن بلغتني هذا اليوم ..
قالت لي وصوتها يجهش بالبكاء هذه أمانة حملتيها على عاتقك فاحفظيها
..عدت بعدها إلى الفصل وجدت الجميع مجتمع وما هي إلا ثواني معدودة حتى دخلت علينا إداريتنا الرائعة (المشرفه) ومن وراءها يحمل قالب الحلوى الذي كان مكافأة إدارتنا لنا في ذلك اليوم وقد كتب عليه أسماؤنا ..
تحلقنا حوله وفرحنا به كفرحة الطفل المكافئ بجائزة من والديه !!
...وانتهى ذلك اليوم بعد أن غمرنا أرواحنا في بحار النور ..
انتهى ذلك الصباح الذي إن كان قد رحل من ذاكرة الناس كلهم فلم ولن يمحى من ذاكرة صانعات المجد..أبدافلله الحمد والمنة..
{ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله }
وعدنا الى منازلنا استعدادا
لليوم التالي ..
فرحلة التسعة أشهر لابد أن يكون لها وقفة ليست كأي وقفة وكان الموعد
يوم الاثنين 18/5



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق